عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

537

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : ثم مضاف محذوف أي بدواعي مفازتهم أو بأسبابها . والمفازة المنجاة ، وقيل : لا حاجة إلى ذلك ، إذ المراد بالمفازة الفلاح « 1 » . قال البغوي : لأن المفازة بمعنى الفوز أي ينجّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة « 2 » . وقال المبرد : المفازة مفعلة من الفوز والجمع حسن كالسّعادة والسّعادات « 3 » . قوله : « لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ » يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل : وما مفازتهم ؟ فقيل : « لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ » فلا محل لها ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من « الَّذِينَ اتَّقَوْا » « 4 » . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروه ولا هم يحزنون . قوله تعالى : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 62 إلى 66 ] اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 63 ) قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) قوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . . . الآية تقدم الكلام على هذه الآية في الأنعام وأنها تدل على أن أعمال العباد مخلوقة للّه تعالى ، وقال الكعبي هنا : إن اللّه تعالى مدح نفسه بقوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح احتجاج المخالف به ، وأيضا فلفظة « كل » قد لا توجب العموم لقوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [ النمل : 23 ] يريد كل شيء يحتاج الملك إليه وأيضا لو كانت أعمال العباد من خلق اللّه لما أضافها إليهم بقوله : كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [ البقرة : 109 ] ولما صح قوله تعالى : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ آل عمران : 78 ] . وقال الجبائي اللّه « 5 » خالق كل شيء سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي ، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقا للّه لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز في ألوانهم وصورهم ، وقال أبو مسلم : الخلق هو التقدير لا الإيجاد ، فإذا أخبر اللّه أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل فصح أن يقال : إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجدا له ، والجواب عن هذه الوجوه تقدم في سورة الأنعام ، وأما قوله « وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك ، وهذا أيضا يدل على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى لأن فعل

--> ( 1 ) الدر المصون 4 / 661 . ( 2 ) معالم التنزيل 6 / 83 . ( 3 ) نقله عنه البغوي في المرجع السابق ولم أهتد إليه في الكامل له . ( 4 ) ذكرهما الزمخشري في كشافه 3 / 406 والتبيان 112 . الأول الزمخشري والثاني أبو البقاء . ( 5 ) في ب أنه بدل من اللّه .